عبد الله بن أحمد النسفي
377
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 148 إلى 152 ] لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً ( 148 ) إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً ( 149 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً ( 150 ) أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً ( 151 ) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ( 152 ) 148 - لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ ولا غير الجهر ولكنّ الجهر أفحش إِلَّا مَنْ ظُلِمَ إلا جهر من ظلم استثنى ، من الجهر الذي لا يحبه اللّه جهر المظلوم ، وهو أن يدعو على الظالم ويذكره بما فيه من السوء . وقيل الجهر بالسوء من القول هو الشتم إلّا من ظلم فإنّه إن رد عليه مثله فلا حرج عليه ، ولمن انتصر بعد ظلمه وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً لشكوى المظلوم عَلِيماً بظلم الظالم . ثم حث على العفو ، وأن لا يجهر أحد لأحد بسوء وإن كان على وجه الانتصار بعد ما أطلق الجهر به حثا على الأفضل ، وذكر إبداء الخير وإخفاءه تسبيبا للعفو فقال : 149 - إِنْ تُبْدُوا خَيْراً مكان جهر السوء أَوْ تُخْفُوهُ فتعملوه سرا ، ثم عطف العفو عليهما فقال أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ أي تمحوه عن قلوبكم ، والدليل على أنّ العفو هو المقصود بذكر إبداء الخير وإخفائه قوله فَإِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا قَدِيراً أي إنه لم يزل عفوّا عن الآثام مع قدرته على الانتقام ، فعليكم أن تقتدوا بسنته . 150 - إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ كاليهود كفروا بعيسى ومحمد عليهما السّلام والإنجيل والقرآن ، وكالنصارى كفروا بمحمد صلى اللّه عليه وسلم والقرآن وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي دينا وسطا بين الإيمان والكفر ولا واسطة بينهما . 151 - أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ هم الكاملون في الكفر ، لأن الكفر بواحد كفر بالكلّ حَقًّا تأكيد لمضمون الجملة ، كقولك هذا عبد اللّه حقا ، أي حقّ ذلك حقا ، وهو كونهم كاملين في الكفر ، أو هو صفة لمصدر الكافرين ، أي هم الذين كفروا كفرا حقا ثابتا يقينا لا شك فيه وَأَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ عَذاباً مُهِيناً في الآخرة . 152 - وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وإنما جاز دخول بين على أحد لأنه عام في الواحد المذكر والمؤنث وتثنيتهما وجمعهما أُولئِكَ سَوْفَ